ملكوت السموات والأرض تقودك ولا محالة إلى الله


إبراهيم ينظر إلى ملكوت السموات والأرض ويتعجب ويتسأل:

_ ماهذه السموات والأرض وكيف؟ وكيف أنا والناس جميعاً كيف هم ولماذا؟!

“وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات وليكون من الموقنين”

وقد جعل اللهُ إبراهيمَ يرى ملكوت السموات من كواكب ونجوم؛ ليصل به إلى تمام اليقين.. إلا أن إبراهيم لما انتبه لتلك الكواكب؛ اعتقد أنها هي التي خلقته وأنها هي ربه.. إلا أنه عرف بعد قليل من التفكير أن تلك الكواكب ليس لها دخل بشيء.. وأنها مثل أي كائن آخر في الكون.. مثل الجبال والهواء وغيره.. ثم لم يجد إبراهيم شيئاً؛ إلا أن يصف نفسه ويقول بأنه سقيم قد أعياه ما هو فيه..

“فنظر نظرة في النجوم.. فقال إني سقيم”

ثم ذهب إلى قومه يسألهم؛ فلم يجد عندهم شيئاً.. وإنما وجد عندهم أصناماً وتماثيل صنعوها بأيديهم لشخصيات قديمة! شخصيات قديمة يظنون فيها بأنها هي التي خلقتهم.. وأنها موكلة بتصريف شئونهم وشئون الأكون بما فيها. إلا أن تلك الظنون التي ينزنها في الأصنام؛ إنما هي من عمل مخيلتهم وعمل الشيطان اللعين، وليس للتماثيل والأصنام من عمل ولا حيلة! إنما هي مجرد رسومات ونقوش كباقي الرسومات والنقوش.. رسومات ونقوش ينتاب الإنسان ما ينتابه من شعور عندما ينظر إليها.. شعور بالرهبة أحياناً أو بالجمال والحب والانتظار أو الخلاص أحياناً، ويختلف الشعور الذي ينتاب الإنسان على اختلاف تلك التماثيل والرسومات وما سبب نشئتها وتواجدها..

“إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً”


بعد التفكير؛ هداه الله إليه


وبعد التفكير والإعياء؛ هداه الله إليه.. هداه الله وعرّفه أنه سبحانه هو الذي جعل كل الذي يراه.. فعرف إبراهيم من هو الذي فطر السموات والأرض.. ثم أيقن بأنه لا دخل لأي أحدٍ بأي شيء في الخلق.. لأن الخلق كله بيد الله وحده.. ثم نادى في قومه بأنه قد أسلم وجهه لله رب العالمين..

“قال يا قوم إني بريء مما تشركون.. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين”


ذهب إلى الأصنام يكسرها؛ لأنها هي أصل الفساد والضلال


مال إبراهيم إلى الأصنام والتماثيل التي يعبدها قومه واقبل عليها.. ثم سئلها:

_كيف يعبدونكِ قومي وأنت بلا روح صماء عمياء.. صماء عمياء لا تُكلمينهم ولا تردي عليهم القول أو الدعاء؟!

“فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون.. ما لكم لا تنطقون”

فـ راح على الأصنام يضربها ويكسرها بيمينه.. يكسرها وينتقم منها أشد الانتقام.. يكسرها لأنها قد أضلت كثيراً من الناس تلك الحجارة التي تمثلها الناس آلهة.. فكسرها جميعاً إلا أكبر تمثال فيهم.. أكبر تمثال تركه لقومه لعلهم يرجعون ويعرفون بأن تلك الأصنام إنما هي تماثيل خرقاء لا تعي شيئاًَ! لا تسمع فترد.. ولا تملك فتعطي.. ولا تحكم فتقضي، وإنما مخيلة القوم وخيالهم هو الذي صنع وجعل للأصنام كل تلك القدرة وتلك الهالة حولها..

“فراغ عليهم ضرباً باليمين.. فأقبلوا إليه يزفون.. قال أتعبدون ما تنحتون.. والله خلقكم وما تعملون”


كاد قومه أن يؤمنوا؛ ولكن كبرهم منعهم


تعلم قوم إبراهيم الدرس بأن تلك الآلهة لا تملك لنفسها شيئاً؛ فها هو قد كسرها جميعاً.. تعلموا الدرس بعدما أفحمهم بالحجة البالغة.. فنكثوا ذليلين مطئطئين رؤوسهم بأن تلك الأصنام والتماثيل بالفعل لا تملك نفعاً فتنفع ولا ضراً فتضر.. وأنها لا تملك لنفسها شيء في الأصل!

“فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون.. ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.. قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم.. أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون”

تعلم قوم إبراهيم الدرس لكنهم لم يرضوا به واستكبروا وتصلبت أعناقهم.. فكيف لهم أن يتركوا تراث آباءهم ويرغبوا بشيء عنه؟ وكيف لهم أن يتركوا ما قد تربوا وكبروا عليه؟!


أعلنوا الكفر بدلاً من الإيمان!


وبدلاً من أن يجتمعوا كلهم في مكان واحد ويعلنوا إيمانهم بالله، وأنهم كم كانوا ظالمين؛ أعلنوا بدلاً منه؛ أنه ولا بد من نصرة آلهتم التي لا تملك ولا تسطيع نصراً..

“قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين”

وإن هؤلاء القوم في الوقع لم يريدوا نصرة آلهتمهم وتماثيلهم المزعومة؛ بل أرادوا نصرة كبرهم الذي كسره وحطمه إبراهيم.. فقالوا ولا بد من تحريق إبراهيم ذاك الفتى الذي كسر لهم كبرهم وعزتهم البائسة.. فأوقدوا له نار عظيمة كالجحيم وألقوه فيها..

“قالوا ابنوا له بنيان فألقوه في الجحيم”


ربُّ العالمين يتدخل ليحفظ إبراهيم


لم يعلم قوم إبراهيم من عنادهم وكبرهم الذي أعماهم؛ أن الذي أعطى إبراهيم الحجة التي أفحمتهم، والإيمان واليقين الذي كسر أصنامهم؛ هو الله ربُّ الممتلكات وربُّ ما في الأشياء من صفات..

“فأرادوا به كيداً فجعلنهم الأسفلين”

فهو سبحانه الذي سيُـنَـجيه من جحيمهم الذي أرادوا أن يلقوا إبراهيم فيه؛ لأن الأمر جدُّ يسير! فكما أعطى الله صفة الحريق للنار؛ يُعطيها صفة البرد والسلامة بكلمة واحدة.. وهي يا نار كوني برداً وسلماً… فكانت! فقط كُن؛ فإذا هو كائن..

“قلنا يانار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم”

هكذا هو الإيمان بالله وما يفعله.. فقط أظهر الإيمان وعلى الله التكلان! نور يسعى وظلام ينجلي.. وحجج تنكسر وخرافات تندحر.. وظنون تُنسف وخيرٌ ينبت.. وثبات للمؤمنين إذا جاءتهم الابتلاءات.. ثبات تتعجب له الجبال والسموات.. وببساطة! إنه إيمان المؤمنين.