أفحمهم وأسكتهم بأدلة العقل والفعل.. ولكنهم امتنعوا عن الإيمان


موسى بن عمران


موسى عليه السلام يقول لفرعون بأنه رسول من عند الله ربِّ العالمين.. وأنه عليه أن يرسل بني إسرائيل ويدعهم يخرجون من مصر وليكف عن تسخيرهم وتعذيبهم.. فقال له فرعون معترضاً على تجرأه ومذكراً له ماضيه:

_أولم تكن وليداً عندنا.. وربيناك ولبثت عمراً بيننا.. وفِعلتك التي فعلتها لما قتلت منا واحداً وجحدت نعماءنا عليك وكفرتها.. أولا تذكر؟!

“قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين.. وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين”

فرد عليه موسى عليه السلام قائلاً:

_ فعلتها بدافع الحمية حينما كنت من الضالين غير المهتدين.. ولم أكن أقصد قتله.. ثم فـرَّرت بعيداً خوف أن تبطشوا بي من ظلمكم.. ثم آتني الله ووهب له الحُكم والعلم وجعلني رسولاً من عنده.

ثم زاده موسى إفحاماً وإسكاتاً كعادة المؤمنين الذين يُحيطهم نور وعلم من الله.. فقال:

_وهل هذه نعمة تمنها عليَّ يا فرعون بأنك ربيتني في بيتك؟ فإنك تستعبد باقي القوم من بني إسرائيل!

فإن كان فرعون قد أنعم على موسى ورباه في بيته عنده؛ فإنه قد فعل الأفاعيل بباقي القوم من بني إسرائيل!

“قال فعلتها إذاً وأنا من الضآلين.. ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين.. وتلك نعمت تنمها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل”

فلم يكن من فرعون إلا أن قال بعدما تذكر بأن هناك “نبي منتظر” سيزول على يديه ملكه:

_ وما ربُّ العالمين الذي أرسلك يا موسى؟

بدأ موسى يُعرّف عن ربه أمام الملأ من قوم فرعون.. فقال:

_ هو ربُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ ما بينهما.. وربُّ ما ترون وما لا ترون إن كنتم تشعرون وتحسون بوجود خالق لهذا الكون.

“قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين”

فنظر فرعون لمن حوله من حاشيته.. ثم قال لهم:

_هل تستمعون إلى ما يقوله؟ يقول خالق للسموات والأرض! أولا يرى أن الكل تحت إمرتي.. وأن الأملاك والأنهار والجنان وعيون الماء كلها تجري من تحتي؟!

“قال لمن حوله ألا تستمعون”

فلم يعبأ موسى بـ رد فرعون ولم يهتم به؛ لأن فرعون صار في كلامه كالغريق الذي يحاول أن يفعل أي شيء لكي ينجو.. لذلك لم يُبالي موسى لفرعون وإنما نظر إلى الحاشية وقال لهم:

_إن ربَّ العالمين هو خالقكم ومسوي كل نفس منكم.. وهو ربكم وربُّ آباءكم وأجدادكم.. وهو ربُّ من سمعتم عنه ومن لم تسمعوا عنه.. هو سبحانه الذي صوركم وأخرج كل واحد منكم، وكما صوركم وأخرجكم؛ سوف يخرج الذين من بعدكم.. فهو سبحانه الذي يخلق وهو سبحانه الذي يسوي.

“قال ربكم ورب آبائكم الأولين”

القوم يستمعون إلى موسى وكأن على رؤسهم الطير من شدة الإنصات.. ثم استيقظ فرعون من الإنصات، أولا يزال موسى مصراً على ما هو فيه؛ فقال ناظراً إلى الملأ:

_ إن هذا الرسول المسكين المزعوم والذي أرسله هذا الربُّ إليكم أيها الملأ.. إنه لرسول مجنون!

“قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون”

مرة أخرى لم يُبالي موسى لكلامه.. ولكنه قال للملأ من حوله يخاطبهم ويعرفهم بالله.. ومازالوا هم منصتين إليه أشد الإنصات؛ لأنهم يعلمون أن هناك “نبي منتظر”.. فقال لهم موسى:

_إنه هو ربُّ الشمس وما أشرقت عليه.. وهو ربُّ الشمس وما غربت عليه إن كنتم _أيها القوم_ تستنبطون من ورآء أبصاركم وفيكم عقول تعقل..

‏‏‏”قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون”


لجأ فرعون إلى التهديد والوعيد بعدما أبهت موسى عقولهم


قال فرعون بعدما انتبه من كلام موسى كالعادة.. فهو لم يكن ليُصدق بأن موسى الذي اتخذه ولداً وآمان جانبه؛ سيكون هو النبي المنتظر الذي يحُاذر هو والملأ من قدومه:

_مهما يكن ما قلته يا موسى فهذا لا يعني شيئاً! ولئن حاولت أن تُشيع في الأرجاء وتتخذ إلهاً لك من دوني؛ فلآمرن بسجنك وحبسك.

“قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.. قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون.. قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين”

فقال له موسى عليه السلام بأن له القدرة على أن يجيئه بشيء عظيم.. شيء عظيم فيه بيان أكثر له ولقومه.. شيء يراه رؤيا العيان يُؤكد له ما يخشاه بأنه رسول من عند الله؛ فرد عليه فرعون ولا يكاد يعي ما يحدث.. ومازال نبأ النبي المنتظر يُسيطر عليه:

_إءتي بما تقول إن كنت صادقاً فيما تدعي يا موسى!

“قال فأت به إن كنت من الصادقين.. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين.. قال للملأ حوله إنَّ هذا لساحر عليم.. يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون.. قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين.. يأتوك بكل ساحر عليم”


ما زال آل فرعون لا يؤمنون


أتاهم موسى بكل آية؛ فلم يستطيعوا أن يردوا عليه بشيء.. حتى أنه هزم سحرتهم وغلبهم جميعاً! ولكنهم لكي يبرروا كفرهم؛ قالوا بأن موسى ساحر وأن الذين تنافس معهم وغلبهم هم ساحرون أيضاً، ومادام هما الإثنين سحرة؛ فما نحن بمؤمنين لأي منهم..

“قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنَّا بكل كافرون”

ولكن السؤال حقاً هنا !! إذا كان موسى ساحر_وما هو بساحر_ فما هو قولهم في الحجج والبراهين التي أبهتت عقولهم.. التي أبهتت عقولهم والتي حدثهم بها موسى وهم يستمعون منصتين وكأن على رؤوسهم الطير؟! فهل هذا من قبيل السحر أيضاً؟!

إلا أن موسى لم يعبأ لهم أيضاً، بل واصل تبليغه لرسالة الله للناس..

“ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم.. أن أدوا إليَّ عباد الله إني لكم رسول أمين.. وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين.. وإني عُذت بربي وربكم أن ترجمون.. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون”

فهكذا هم المؤمنون! يُبلّغون ما استطاعوا وعلى الله الهداية.. هداية الذين لا يتكبرون في الارض.. وهداية الذين ما إن يأتيهم الحق؛ فيؤمنوا به من أول مرة.. يؤمنوا به من أول مرة فيزيدهم الله نوراً إلى نورهم، أو تُصيبهم حلاوة الإيمان فيأتون بعد حين.