الحبيبُ جبريل


جبريل عليه السلام! من إذا جاء ذُكره؛ ابتسمنا من تلقاء أنفسنا واغرورقت أعيننا بالدموع وامتلأت من الشوق إلى الصالحين ورفقتهم.. نعم هو من الملائكة! لكن رفقته للصالحين، ومشاركته في إهلاك الظالمين، وما جائنا من عجائب عنه وعن أفعاله؛ تجعلنا ولا بُد من زيادة تشريف هذا المقام بإيراد شيئاً من ذكره.

‏‏

جاء جبريل إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهو نائم.. فوكزه بين كتفيه.. فقاما إلى شجرة فيها مكانين مثل وكري أو عُشي طير.. فجلس النبي في واحدة وجلس جبريل في الآخرى.. فسمت بهما وصعدت في السماء.. والنبي صلى الله عليه وسلم يُقلب بصره.. يُقلب بصره في السماء ويقول:

_ لو شئت أن أمَّس السماء لفعلت!

ومازال جبريل والنبي يصعدنا في السماء؛ حتى بدت أنوار الله! فلم يستطع جبريل التحمل من عظم معرفته بالله.. لم يستطع جبريل التحمل لما بدت الأنوار؛ فخرَّ ولزم مكانه.. ثم قال النبي:

_علمت فضل علمه بالله عني عندما خرَّ مكانه.


لماذا صُعق جبريل لـمّا تجلت أنوار الله ؟!


جبريل صُعق؛ لأن الذي تجلت أنواره يملك ما بين أيدينا وما خلفنا.. وأنه قائم على كل شيء وأمر كل شيء يرجع إليه.. ولأن الذي تجلت أنواره؛ هو الله الخالق لما نرى وما لا نرى.. ولذلك كان حق على جبريل أن يُصعق لما بدت أنوار الله.

وكان حق على جبريل أن يُصعق أيضاً؛ لأن الذي تجلت أنواره وبدت؛ هو الله الذي استوى إلى السماء فسوهن وجعلهن سبع سموات فوق بعضهن.. وهو الذي خلق الأرض وبارك فيها فما زالت تُثمر وتُنبت إلى قيام الساعة.

وكان حق على جبريل أن يُصعق؛ لأن الذي تجلت أنواره وبدت؛ هو الله الذي أهلك القرى بظلم أهلها وتركها خاوية على عروشها.. وهو الذي ترك فيها القصر الـمُشيد والبئر التي تعطلت وهلك أصحابها وتركوها.

وكان حق على جبريل أن يُصعق أيضاً؛ لأن الذي تجلت أنواره؛ يعلم ما في البر والبحر ويُحيط بكل شيء فيهما.

وكان حق على جبريل أن يُصعق أيضاً؛ لأن الذي تجلت أنواره وبدت؛ هو الله الذي وسع عرشه السموات والأرض.. وما تلكم السموات والأرض بالنسبة للعرش؛ إلا كخاتم أُلقي في أرض واسعة.

وكان حق على جبريل أن يُصعق؛ لأن الذي تجلت أنواره وبدت؛ هو الله الذي سواه وخلقه، وما أدرك ما خلق جبريل! خلقه وجسده وقوته عظيمة جداً.. وقد رأه النبي صلى الله عليه وسلم مرة؛ فصُعق من هيئته وقد سدَّ الأفق.. وقيل إن جبريل عليه السلام هو الذي رفع قرى قوم لوطٍ حتى السماء.. وكانت تسع قرى! ثم ألقها رأساً على عقب.

وكان حقٌ على جبريل أن يُصعق عدا ما سبق؛ لأن الذي تجلت أنواره وبدت؛ هو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض.. وهو الحي الذي أعطى الحياة لكل أحد.. وهو القيوم الذي يأخذ بناصية كل أحد ويساعده وينجيه.. وهو الذي تسبح له النملة العمياء في بطن الصخرة الصماء وتقول بأن له الحمد بأن خلقها وكفها ورزقها ولم ينساها.


فضل جبريل وعلمه


وفضل جبريل وعلمه يتجلى للعيان لأنه من الملائكة المقربين.. ولأنه الذي يتلقى من الله الوحي؛ فيتنزل به على الأنبياء في الأرض.. ولأنه الذي صاحب جميع الأنبياء عليهم السلام.

وقد أخبرنا الله أنه عندما يُحب أحداً من خلقه؛ فإنه ينادي يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه؛ فُيحبه جبريل.. ثم يُنادي جبريل على أهل السماء! بأن الله يُحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ويُوضع له القبول في الأرض.

وعندما يتكلم ربُّ العزة؛ فإن قلوب الملائكة ترتجف من شدة الرهبة.. ترتجف وتكاد أن تنخلع من أماكنها، حتى إذا انتهى من كلامه سبحانه؛ تبدأ تنجلي الرهبة ويبدأ الفزع يذهب.. ثم تأخذ الملائكة تتسأل عما قاله الله؟ فُيجيبون بعضهم البعض بأن قال الحق وهو العلي الكبير..

“حتى إذا فُـزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير”