بعض الحجج التي يتخذها الملحدون داعمةً لمنهجهم


ويتخذ الملاحدة بعض الحجج التي يظنونها داعمة لمنهجهم وعقيدتهم لكي يُـسَّـكنوا أنفسهم ويُخدروها عن الحق.. ومن تلك الحجج؛ حجة ذكرها الأستاذ العقاد _رحمه الله_ في كتابه عن “الله” سبحانه.. فقال بعدما تطرق إلى أن هؤلاء الملحدين الماديين يجزمون بأن الكون كله لا يحتوي شيئاً واحداً يُلجئنا إلى تفسيره بموجود غيره.. قال:


* المصادفة… وصندوق من الحروف الأبجدية


“فمن أقوالهم؛ أن المصادفة وحدها كافية لتفسير كل نظام ملحوظ في الكائنات الأرضية.. وضربوا لذلك مثلاً صندوقاً من الحروف الأبجدية يُعاد تنضيده مئات المرات وألوف المرات وملايين المرات على امتداد الزمان الذي لا تحصره السنون ولا القرون، فلا مانع أن هذه التنضيدات تُسفر في مرة من المرات عن إلياذة هوميروس أو قصيدة من المنظوم والكلام المفهوم.. ولا عمل في اتفاق حروفها على هذه الصورة؛ لغير المصادفة الواحدة التي تُعرض بين ملايين الملايين من المصادفات”

ثم تعجب الأستاذ العقاد على هذا الكون الذي في عقل هؤلاء الملحدين، والذي يبقى في اضطرابه المشتت الذي تُعرض له جميع المصادفات الممكنة في العقول! وليس هناك مانع عندهم في عقولهم أن تُسفر مصادفة من تلك المصادفات؛ إلى نظام كهذا النظام وتكوين كهذا التكوين الذي نره في عالمنا أو في عالم الجماد.


مثال المصادفة نفسه ينقض دعوى من قاله


وبعد تعجب العقاد أخذ في نسف قولهم ذاك.. فقال:

“وهذا المثل نفسه ينقض دعوى قائليه ويستلزم فرضاً غير فروض المصادفات التي تتكرر على جميع الأشكال والأحوال.

فقد فاتهم أنهم قدموا الفرض بوجود الحروف المتناسبة التي ترتبط بعلاقة اللفظ وينشأ منها الكلام المفهوم.. فإن وجود الفاء والياء واللم والسين والواو مثلاً لا يكون قبل وجود كلمة أو كلمات تشتمل على هذه الحروف، فمن أين لهم أن أجزاء المادة المتماثلة ترتبط بينها علاقة التشاكل والتشكيل على منوال العلاقة التي بين الحروف الأبجدية؟ ومن أين للمادة هذا التنويع في الأجزاء؟ ومن أين لهذا التنويع أن تكون فيه قابلية الإتحاد على وجه مفهوم؟

وفاتهم كذلك أنهم قدموا الفرض بوجود القوة التي تتولى التنسيق والتنضيد وليس من اللازم عقلاً أن توجد هذه القوة بين الحروف، وأن يكون وجودها موافقاً للجمع والتنضيد وليس موافقاً للبعثرة والتفريق.

وفاتهم مع هذا وذاك أنهم فرضوا في هذه القوة الجامعة أنها تُعيد تنسيق الحروف على كل احتمال كأنها تعرف بداءة كيف تكون جميع الاحتمالات.. فلم تستنفد هذه القوة جميع الاحتمالات إلى آخرها ولا تتخبط في بعضها قبل انتهائها ثم تُعيدها وتعيدها أو تكررها بشيء من الاستئناف وشيء من التجديد في جميع المرات إلى غير انتهاء!

وفاتهم عدا ما تقدم أن الوصول إلى “تنضيدة”مفهومة منظومة لا يستلزم الوقوف عندها وتماسك الأجزاء عليها. فلماذا تماسك النظام في الكون بعد أن وجد مصادفة واتفاقاً ولم يسرع إليه الخلل والفوضى وهما مثله ونظيره في كل احتمال؟”


ترتيب الذرات في كل حلقة من حلقات خلية البروتين؛ ينسف القول بالمصادفة


ومن الأمثلة التي تُؤخذ في الاعتبار في نسف ودحض القول بأن المصادفة هي التي أوجدت الحياة والخلق؛ هي قول الأستاذ ليثز Leathes  في خطاب الرئاسة السنوي بقسم الفزيولوجي من جامعة أكسفورد عام 1936، حيث تعجب من ترتيب الذرات في كل حلقة من حلقات خلية البروتين بغير شذوذ ولا اختلاف حتى نسب هذا الترتيب إلى الخيال.. قال:

“إن كل خلية من البروتين تتألف من سلسلة فيها بضع مئات من الحلقات.. وإن كل حلقة منها؛ هي تركيبة من ذرات قوامها حمض من الأحماض النوشادرية، وهي أحماض يبلغ المعروف منها نحو العشرين.. ويجوز أن يكون الحمض الموجود في إحدى هذه الذرات يختلف عن الحمض الموجود في ذرة أخرى على اختلاف في النسبة والترتيب، ولكننا لا نراها في بعض الأنسجة إلا على ترتيب واحد ونسبة واحدة بغير شذوذ ولا اختلاف!

فهل نستطيع أن نتخيل مبلغ الدقة في هذه الإصابة والتوفيق في تكوين وإخراج خلية من خلايا البروتين بهذا الإحكام والترتيب الذي ليس فيها أية اختلافات؟”


مثال لتقريب كمية الخيال في خلية البروتين


يقول الأستاذ ليثز Leathes  لتقريب هذا الخيال:

“إن الضوء يصل من طرف المجرة إلى الطرف الآخر في 300 ألف سنة.. فإذا أردنا أن نشبه إصابة وتوفيق الخلية في إخراج ترتيبها لكل حلقة من حلقاتها بإحكام مُصيب وبغير شذوذ ولا اختلاف بمثال مفهوم؛ فهذه الإصابة تضارع إصابة وتوفيق الرصاصة التي تنطلق من الأرض فتصيب هدفاً في نهر المجرة _في الفضاء_ بحجم عين الثور ولا تُخطئه مرة من المرات، مع الأخذ في الاعتبار أن حلقات الخلية الواحدة بضع مئات وليست عشرة أو عشرون!

‏‏


الجسم الحي.. المعجزات تتكرر فيه في كل لحظة


ثم يُعلّق الأستاذ العقاد على هذا المثال الذي قاله الأستاذ ليثر قائلاً:

“ونحن مع هذا لا نبلغ غاية العجب من هذا التركيب المحكم المصيب.. لأن الجسم الحي الذي تتكرر فيه هذه المعجزات كل لحظة من لحظاته؛ لا تزال فيه بقية للعجب لعلها أعجب من كل ما تخيلناه، وهي أن هذه الذرات الخفية تتجمع وتتفرق وتلتئم وتنفصل على نحو يضمن لها التجديد أو يضمن الدوام للحيوة.. فيتألف كل حي من جنسين وتخرج من كل منهما خلية واحدة يتكون منهما حي جديد.. وتنقسم هاتان الخليتان تارة أزواجاً وتارة فرادى على الوضع المطلوب في المرحلة المطلوبة.. ويتفق عددها في كل نوع من الأنواع الحية بغير زيادة ولا نقصان، وينطبع كل حيوان على عادات وغرائز تسوقه إلى التناسل في موعده المقدور.. فيبني العُش قبل أن ينسل إن كان من الطيور.. ويفارق الماء المالح إلى مداخل الأنهار أو الخلجان قبل أن ينسل إن كان من سمك البحار.. ويمتلئ بالشوق إلى شريكه  في التوليد قبل موعد التوليد على اختلاف الأنواع والأجناس .

ولو فرضنا صدق المصادفة _ وما هي بصدق_؛ إذاً..

لقد  بطل معنى “القصد” والغاية في لغة العقل إن كان هذا كله مصادفة وليس خلق وتدبير



مواضيع ذات صله :

المؤمنون بالله ينسفون أقوال الملحدين

معرفه المزيد

التطور والرمال المستخدمة في تشيد البناء

معرفه المزيد